محمد سعيد الطريحي

145

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

كان هذا الكتاب لا يعد في الواقع تاريخا بالمعنى العام ، فهو يعطينا على كل حال صورة مفصلة واحدة لنظم حكومة أكبر ومجتمع بلاده إذ ذاك . والآيين اصطلاحا ، هو العادات والعرف والتقاليد والشرائع والنظم ، وهذا كله هو ما قصد به أبو الفضل من وراء تأليف كتابه هذا . ويقع هذا الكتاب في خمسة أجزاء . ويبدأ أبو الفضل في مقدمته هذه بشرح كلمة الملك وواجباته . فيقول في تفسير كلمة شاه ، أي ملك ، أن المقصود بها أصلا التفوق على الأقران ، ويبين أن هناك فارقا كبيرا بين الحاكم الجدير بالملك الخادم لأمته والحاكم الذي لا هم له إلا إشباع غرائزه وشهواته . فهو حين لا يتعلق بأسباب القوة والجاه والثراء بقدر ما يجعل شغله الشاغل هو القضاء على الظلم مع إحقاق الحق في كل شيء على أكمل وجه ، ينتج على صنيعه هذا إشاعة الأمن في الناس وإقرار العدل بينهم وذيوع الفضائل عندهم وتمكن الإخلاص من نفوسهم . في حين يؤدي تعلقه بمظاهر السلطان والتفاته إلى أغراضه الخاصة ومآربه فحسب إلى إشاعة الفتنة في الناس وانتشار الظلم بينهم وتسرب الخيانة إلى نفوسهم وانعدام الولاء عندهم . ويرى من بعد ذلك أن الحاكم العادل لا بد وأن تتوفر فيه صفات أربع : الأولى : أن يحب رعاياه كما يحب أبناءه ، وبذلك يجد الناس الطمأنينة والراحة في عهده ، ويستطيع هو بدوره أن يصل بحكمته إلى تحقيق أهدافه . والثانية : أن يكون صاحب قلب كبير ، رحب الصدر ، يغلب عليه الحلم ، شجاعا لا يخشى في الحق لومة لائم ، فلا يحابى مخطئا لحسبه أو نسبه ، ولا يمل الاستماع إلى شكاوى الخلق أو يتوانى عن تحقيق أمانيهم . والثالثة : أن يكون على صلة وثيقة بربه يزداد اعتقاده فيه يوما عن يوم ويوقن يقينا قويا بمشيئته في إبرام الأمور وقضائها وأنه هو الفعال لما يريد . والرابعة : أن يواظب على تأدية الفروض والعبادات لا تلهيه عنها مفاتن الحياة أو تصرفه تصاريف الزمان وغيره عن ذكر اللّه ، ويسعى على الدوام إلى ما فيه صلاح الناس ورضاء اللّه ، ولا يتوانى عن إنصاف المظلوم .